ابن الجوزي
292
صفة الصفوة
فاجتمع الناس فقالوا : هذا واللّه غلامك خير . فبقيت متحيّرا وعلمت بم أخذت ؟ وعرفت جنايتي . فحملني إلى حانوته الذي كان ينسج فيه غلمانه فقالوا : يا عبد السوء تهرب من مولاك ؟ أدخل فاعمل عملك الذي كنت تعمل . فأمرني بنسج الكرباس « 1 » . فدلّيت رجلي على أن أعمل ، فكأني كنت أعمل من سنين . فبقيت معه أربعة أشهر أنسج له . فقمت ليلة فتمسّحت وقمت إلى صلاة الغداة فسجدت وقلت في سجودي : إلهي لا أعود إلى ما فعلت . فأصبحت فإذا الشّبه قد ذهب عنّي وعدت إلى صورتي التي كنت عليها فأطلقت . فثبت عليّ هذا الاسم فكان سبب النسج إتياني شهوة عاهدت اللّه تعالى ألّا آكلها ، فعاقبني اللّه بما سمعت . وكان يقول : لا نسب أشرف من نسب من خلقه اللّه بيده فلم يعصمه ، ولا علم أرفع من علم من علّمه اللّه الأسماء كلها فلم ينفعه في وقت جريان القضاء عليه . قال الخطيب : هذه الحكاية طريفة جدا يسبق إلى القلب استحالتها . وقد كان الخلدي كتب إلى شيخنا أبي نعيم يجيز له رواية جمع علومه عنه ، وكتب أبو نعيم هذه الحكاية عن أبي الحسن بن مقسم عن الخلدي ، ورواها لنا عن الخلدي نفسه إجازة ، والخلدي ثقة ، وكان ابن مقسم غير ثقة . واللّه أعلم - . وعن عيسى بن محمد قال سمعت أبا الحسن خيرا النساج يقول : تقدم إليّ شاب من البغداديين وقد انطبقت يده فقلت له : ما لك ؟ فقال : جلست إليك فحللت عقدة من طرف إزارك فجفت يدي فقلت : كنت قد بعت به لأهلي غزلا . ثم مسحت يده بيدي فردّ اللّه عليه يده وناولته الدرهم وقلت : اشتر به شيئا ولا تعد - . قال أبو بكر الرازي : قال خير النسّاج : الخوف سوط اللّه يقوّم به أنفسنا ، وقد
--> ( 1 ) الكرباس جمع كرابيس وهو ثوب من القطن ، وقيل : الثوب الخشن .